محمد بن شاكر الكتبي

194

فوات الوفيات والذيل عليها

لا ينام عن عدوه ولا يقبل له معذرة ، ويجعل الرؤساء كلهم أعداءه ، ولا يرضى لعدوه بدون الهلاك ، لا تأخذه في نقماته رحمة ، استولى على العادل ظاهرا وباطنا ، ولم يمكن أحدا من الوصول إليه حتى الطبيب والفراش والحاجب عليهم عيون فلا يتكلم أحد « 1 » منهم كلمة ، ولا يأكل من الدولة فلسا ، فإذا لاح له مال عظيم احتجنه ، وعملت « 2 » له « قبسة العجلان » فأمر كاتبه أن يكتبها ويردها ، وقال : لا نستحل أن نأخذ منك ورقا ، وكان له في [ كل ] بلد من بلاد السلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشام إلى خلاط ، وبلغ مجموع مغلّه مائة ألف وعشرين ألف دينار ، وكان يكثر الإدلال على العادل ويسخط أولاده وخواصه ، وكان العادل يترضاه بما أمكنه ، وتكرر ذلك منه ، إلى أن غضب منه على حران ، فأقره العادل على الغضب وأعرض عنه ، وظهر له منه فساد « 3 » ، فنفاه عن مصر والشام ، فسكن آمد وأحسن إليه صاحبها ، فلما مات العادل عاد إلى مصر ووزر للكامل ، وأخذ في المصادرات ، وكان قد عمي ، مات أخوه ولم يتغير ومات أولاده وهو على حاله ، وكان يحم حمّى قوية ويأخذه النافض وهو في مجلسه ينفذ الأشغال ولا يلقي جنبه إلى الأرض ، وكان يقول : ما في قلبي حسرة إلا ابن البيساني ، وما تمرغ على عتباتي - يعني القاضي الفاضل - وكان يحضر عنده وهو يشتمه فلا يتغير ، وداراه أحسن مداراة ، وبذل له أموالا جمة . وعرض له إسهال وزحير « 4 » أنهكه حتى انقطع ويئس الأطباء منه ، فدعا من حبسه عشرة « 5 » شيوخ من كبار العمال والكتاب وقال : أنتم تشمتون بي ، وركب عليهم المعاصير وهو يزحر وهم يصيحون إلى أن أصبح وقد خفّ ما به ، وركب في ثالث يوم . وكان يقف على بابه الرؤساء

--> ( 1 ) ص : أحدا . ( 2 ) ص : وعلمت . ( 3 ) ص : فسادا . ( 4 ) ص : اسهالا وزحيرا . ( 5 ) ص : عشر .